محمد أبو زهرة

47

زهرة التفاسير

ومن المتفق عليه أمران : أحدهما : أن الاستعاذة ليست جزءا من الصلاة ، ولا شرطا لقراءة الفاتحة ، كما هو مقرر عند الشافعي ، لا سرا ولا جهرا ؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه التزم بها لا جهرا ولا خفية . الثاني : أن كلمة « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » ليست قرآنا ، وإنما استجابة لقول الله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) [ النحل ] وكلمة « أعوذ بالله » هي الكلمة التي يرددها الناس عند الاستعاذة ، وروى عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في الاستعاذة : « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم » ، وروى ابن مسعود أنه تعوّذ بها أمام النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : « يا بن أمّ عبد ، أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم هكذا أقرأني جبريل عن اللّوح عن القلم » « 1 » ، وإن هذا النص يستفاد منه أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هي المروية عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وننتهي من هذا إلى أنها مستحبة وليست واجبة ، ولكن إذا قالها أيسرّ أم يجهر ؟ الجمهور على أنه يجهر عند الصلاة بها ، وقال حمزة : يسرّ بها ، ومن قال إن الاستعاذة تكون بعد القراءة لأن الله يقول : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ . . . ( 98 ) [ النحل ] ، فالقراءة تسبق الاستعاذة امتثالا لأمر الله تعالى ؛ ولكيلا يكون القارئ متغنيا ، ولا متلهّيا ، وليكون في حضرة الله في قراءته وبعدها ، ويكون طائعا لله تعالى في كل أحواله .

--> ( 1 ) ذكر بهذا اللفظ القرطبي في مقدمة تفسيره ص 128 .